أبو حامد الغزالي
76
تهافت الفلاسفة
[ الدليل ] الأول قولهم يستحيل صدور حادث من قديم مطلقا ، لأنا إذا فرضنا القديم ولم يصدر منه العالم مثلا ، فإنما لم يصدر لأنه لم يكن للوجود مرجح ، بل كان وجود العالم ممكنا إمكانا صرفا ، فإذا حدث بعد ذلك لم يخل ، إما أن يتجدد مرجح ، أو لم يتجدد ؛ فإن لم يتجدد مرجح ، بقي العالم على الإمكان الصرف ، كما كان قبل ذلك ؛ وإن تجدد مرجح فمن محدث ذلك المرجح ؟ ! ولم حدث الآن ولم يحدث من قبل ؟ ، والسؤال في حدوث المرجح قائم . وبالجملة فأحوال القديم إذا كانت متشابهة ، فإما أن لا يوجد عنه شئ قط ، وإما أن يوجد على الدوام ، فأما أن يتميز حال الترك عن حال الشروع فهو محال . وتحقيقه أن يقال : لم لم يحدث العالم قبل حدوثه ؟ ، لا يمكن أن يحال على عجزه « 1 » عن الأحداث ، ولا على استحالة الحدوث ، فإن ذلك يؤدى إلى أن ينقلب القديم « 2 » من العجز إلى القدرة ، والعالم من الاستحالة إلى الإمكان ، وكلاهما محالان ، ولا يمكن أن يقال : لم يكن قبله غرض ثم تجدد غرض « 3 » ،
--> ( 1 ) يعنى الإله . ( 2 ) يعنى الإله . ( 3 ) ونفى الغرض أمر متفق عليه بين الطرفين المتنازعين ، أما عند الأشاعرة : فلأن الذي يفعل لغرض ناقص في ذاته مستكمل بهذا الغرض . وأما عند الفلاسفة فلقول ابن سينا في الإشارات : « تنبيه : اعلم أن الشئ الذي إنما يحسن به أن يكون عنه شى آخر ، ويكون ذلك أولى وأليق من ألا يكون ، فإنه إذا لم يكن عنه ذلك ، لم يكن ما هو أولى وأحسن به مطلقا ، وأيضا لم يكن ما هو أولى وأحسن به مضافا ، فهو مسلوب كمال ما يفتقر فيه إلى كسب . تنبيه : فما أقبح ما يقال : من أن الأمور العالية ، تحاول أن تفعل شيئا لما تحتها لأن ذلك أحسن بها ، ولتكون فعالة للجميل ، فإن ذلك من المحاسن والأمور اللائقة بالأشياء الشريفة ، أو أن الأول الحق يفعل شيئا لأجل شئ ، وأن لفعله لمية » .